Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


جديد المقالات





المتواجدون الآن



05-23-2011 01:38 AM

الشاعر عبد الله بن المعتز
الأستاذ مجيد طراد – محقق و أديب لبناني
اسمه، لقبه، مولده:
هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. كنيته أبو العباس.
اختلفت الروايات في تحديد مولده، و الراجح منها أنه ولد في مدينة سامراء لسبع بقين من شعبان سنة 247هـ (2/11/861م) من أم رومية لم تذكر الروايات عنها شيئاً، بل أفاضت في ذكر جدته أم أبيه، و اسمها قبيحة. و كان أبوه بهي الطلعة، وسيماً، ذكياً، سريع البديهة و الخاطر، أديباً ينظم الشعر، مات باكراً. و تقول الروايات إنه لو مد بعمره لكان من أبرز شعراء عصره.
كانت ولادة ابن المعتز في عهد جده الخليفة المتوكل، و هو عهد زاهر من أجمل عهود الخلافة العباسية و أكثرها ازدهاراً، فترعرع الشاعر في سعة من العيش و طمأنينة، و عاش حياة يسودها الهدوء و الاستقرار في ظلال والديه في تلك البيئة العباسية الزاهرة. لكن هذه الحال لم تدم طويلاً بل وقعت الكارثة الكبرى حين أقدم جماعة من الجنود الأتراك على قتل المتوكل، ليخلفه ابنه المنتصر الذي لم يعمر طويلاً، ثم تتسارع الأحداث، فيتولى المستعين الخلافة، ثم يخلع و يقتل على يد الأتراك أيضاً فيتولى المعتز والد الشاعر الخلافة من سنة 252-255هـ و كان لا يزال في العشرين من عمره.
نشأته و ثقافته:
كان الدهر للخليفة المعتز و ابنه بالمرصاد، فقد طالب الجنود الأتراك الخليفة المعتز برواتب باهظة في وقت كانت خزائن القصر خالية من المال، فاعتذر عن تلبية طلبهم متذرعاً بواقع الخزينة، لكنهم لم يقبلوا عذره، بل صمموا على خلعه. و كان لهم ما أرادوا إذ هاجموا قصره و جعلوه في بيت موصد الأبواب حتى مات، و أشهدوا عليه جماعة من معاونيه أنه خلع نفسه. و صادروا أموال أمه قبيحة و نفوها إلى مكة في عهد المهتدي و حفيدها الشاعر في حضنها، حيث بقيت في جوار بيت الله حتى استدعاها الخليفة المعتمد و معها الشاعر عبد الله. و تقول الروايات إنه كان في سن تؤهله لإدراك الأمور إبان عودته من الحجاز.
اطمأن الشاعر الغلام في كنف عمه المعتمد على مصيره، و أحاطته جدته قبيحة بعنايتها، و رعايتها، و عطفها، و حنانها، و عنيت بتربيته فأحضرت له المعلمين في الفقه و الأدب و الحديث و اللغة، و هيأت له مكتبة عامرة في شتى أصناف العلوم و الآداب، فانكب عليها ينهل من تراث الأقدمين و المحدثين على السواء. و على الرغم من سلسلة الكوارث التي حلت بالشاعر، فقد استطاع أن يفيد من العطف الذي لقيه، فيجمع ثروة فكرية، لم يتيسر لأحد قبله أن يجمعها، و ذلك على أيدي كبار أساطين اللغة و البيان. فكان من أشهر مؤدبيه: أبو جعفر محمد بن عمران بن زياد الضبي، صاحب القراءات و النحو، و أبو العباس المبرد محمد بن يزيد الأزدي (210-285هـ) – (826-898م) و هو العالم الذي انتهت إليه مدرسة البصرة، و عاش آخر أيامه في بغداد؛ و أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (200-291هـ) – (815-904م) و قد انتهت إليه مدرسة الكوفة.و منهم محمد بن هبيرة الأسدي من علماء الكوفة، و كان متضلعاً باللغة و غريبها، و منهم أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي الذي كان لا يفارقه، و كان راوية شعره و أدبه.
كان ابن المعتز قد أكمل نموه، و تطلعت إليه عيون المحبين و حسدته عيون الحاقدين، تخشاه و تخشى وصوله إلى كرسي الخلافة، فينظر إلى هؤلاء و أولئك، و يفضل الانصراف إلى دفتره و قلمه و يترك لخياله أن يسجل الفخر لبني العباس، و يصب نقمته على الخارجين على الدين و الأخلاق، و يشيد بشرعة الإسلام و حضارة العرب.
و هكذا كان منح ابن المعتز كامل وقته للشعر و الأدب، و كان قرر بينه و بين نفسه أن يتخلى عن السياسة و شؤون السلطان، و ينصرف إلى الأدب و الحياة الثقافية الواسعة. و عام 274هـ كتب ابن المعتز كتابه \"البديع\" ثم كتب كتباً عديدة نذكر منها كتاب \"زهر الرياض\"، و كتاب \"الجوارح و الصيد\"، و كتاب \"السرقات\"، و كتاب \"طبقات الشعراء و المحدثين\"، و فيه صورة واضحة عن الشاعر، و عن ثقافته الواسعة بالشعر العربي عموماً و العباسي خصوصاً من حيث النظرة النقدية و الذوق الفني الرفيع.
و كان الشاعر محباً للموسيقى عليماً بها و في ذلك يقول أبو الفرج الأصبهاني: \"كان عبد الله حسن العلم بصناعة الموسيقى، و الكلام على النغم و عللها، و له في ذلك و في غيره من الآداب كتب مشهورة، و مراسلات جرت بينه و بين عبد الله بن طاهر و بين بني حمدون و غيرهم، تدل على فضله و غزارة علمه و أدبه\".
و يضع أبو الفرج الأصبهاني الشاعر في مرتبة رفيعة من الشعر حيث يقول: \" و ممن صنع من أولاد الخلفاء فأجاد، و أحسن، و برع، و تقدم جميع أهل عصره فضلاً، و شرفاً، و أدباً، و شعراً، و ظرفاً، و تصرفاً في سائر الآداب أبو العباس بن المعتز بالله.
و أمره، مع قرب عهده بعصرنا هذا، مشهور في فضائله و آدابه شهرة تشرك في أكثر فضائله الخاص و العام. و شعره و إن كان فيه رقة الملوكية، و غزل الظرفاء، و هلهلة المحدثين، فإن فيه أشياء كثيرة تجري في أسلوب المجيدين و لا تقصر عن مدى السابقين، و أشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبه فيها بفحول الجاهلية. فليس يمكن واصفاً لصبوح، في مجلس شكل ظريف، بين ندامى و قيان، و على ميادين من النور و البنفسج، و منضود من أمثال ذلك، إلى غير ما ذكرته من جنس المجالس، و فاخر الفرش، و مختار الآلات، و رقة الخدم، أن يعدل بذلك عما يشبهه من الكلام السبط الرقيق الذي يفهمه كل من حضر، إلى جعد الكلام و وحشيه، و إلى وصف البيد، و المهامه، و الظبي، و الظليم، و الناقة، و الجمل، و الديار، و القفار، و المنازل الخالية المهجورة؛ و لا إذا عدل عن ذلك و أحسن قيل له مسيء، و لا أن يغمط حقه كله إذا أحسن الكثير و توسط في البعض، و قصر في اليسير، و ينسب إلى التقصير في الجميع، لنشر المقابح و طي المحاسن\".
و كتب النقد تتفق جميعها على أن منزلة عبد الله بن المعتز من الشعر شريفة، و أنه أشعر بني هاشم، و أنه فخر الخلفاء، و صاحب الشعر الرقيق و النشيد المنيع الرفيع، و أول من صنف في صنعة الشعر، و أنه أرق الناس في الأوصاف و التشبيهات و هو القائل: \"إذا قلت: كأن، و لم آت بعدها بالتشبيه فلا فض الله فاي\".
و كان ابن المعتز ملماً بالفارسية لورود كثير من الألفاظ الفارسية في أشعاره، حيث كانت اللفظة تقع في البيت موقع الكلمة العربية في النغم و الوزن و المعنى. أما مجلسه فقد كان يستقبل فيه العلماء و الأدباء و الشعراء؛ فمن فحول الشعراء البحتري، و من الكتاب جعفر بن قدامة الشاعر، و من المتأدبين الذين يترددون على قصور الأمراء و الخلفاء أمثال أحمد بن يحيى المنجم الذي قاطعه ابن المعتز حيث اكتشف أنه شعوبي، فهجاه و اتهمه بأخلاقه و علمه، و ابن حمدون أبو عبد الله محمد، و ابن بسام الشاعر، و أبو بكر أحمد بن العلاء الذي هجاه البحتري، و كتب إلى ابن المعتز يناشده أن يجعل منه نديماً و مغنياً. و من العلماء المشهورين راويته المعروف أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، الذي صنف ديوانه و دواوين أخرى لفحول الشعراء. و كان الصولي من المعجبين بعلمه و أدبه، فكان يلازمه و يكتب عنه، و لكنه تخلى عنه يوم بيعته و جلس مع المقتدر الصبي الصغير يلاعبه بالشطرنج إن صح ما جاء في الرواية.
و قال الصولي: \"سمعت بعض العلماء بالشعر يقول: أول الشعراء المتقدمين في صنعة الخمر، الأعشى، ثم الأخطل، ثم أبو نواس، ثم الحسين بن الضحاك، ثم عبد الله بن المعتز\".
و من المعجبين بأدبه و علمه أبو حفص عمر بن علي المطوعي و قال فيه: \"هو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية و أبرع إنشاءً في جميع الدولة العباسية، و جل كلامه في التشبيه عن أن يُمَثّل بنظير أو شبيه، و جلت أشعاره في الأوصاف عن أن تتعاطاها ألسنة الوصاف\".
أخلاقه:
نشأ ابن المعتز على عقيدة التوحيد، و المروءة العربية في النجدة، و الشهامة، و الترفع عن المحرمات، و الشعور بكرامة الإنسان، في الإخاء و المساواة و العدل. قال ابن الفرات خصم ابن المعتز اللدود، للوزير أبي أحمد العباس بن الحسن حين رشح هذا الوزير ابن المعتز لكرسي الخلافة:
\"أي شيء تعمل برجل فاضل متأدب قد تحنك و عرف الأعمال، و معاملات السواد، و موقع الرعية في الأموال و المتصرفات، و حاسب وكلاءه على ما تولوه، و ضايقهم، و ناقشهم، و عرف من خياناتهم و اقتطاعاتهم أسباب الخيانة و الاقتطاع التي يدخل فيها غيرهم؛ فكيف يتم لنا معه أمر إن حمل كبيراً على صغير، و قاس جليلاً على دقيق؟\".
و قال أبو الفرج في معرض كلامه عن ابن المعتز:
\"و أمره مع قرب عهده بعصرنا هذا مشهور في فضائله و آدابه تشرك أكثر فضائله الخاص و العام...\"، و قال: \"و درج فلم يبق له خلف يقرضه، و لا عقب يرفع منه، و ما يزداد بأدبه و شعره و فضله و حسن اختياره و تصرفه في كل فن من العلوم إلا رفعة و علواً\".
و يقول ابن المعتز عن نفسه: \"أنا فرع هاشمي من شجرة ضاربة في الأرض، خفية النماء، وارفة فروع المجد، أسهم للمكارم إذا كحل الكرى عيون النوم، تأبى نفسي كل خطة خسف، و تستجيب لكل خطة ربح، لم آت ما حرم الله في الهوى، و لم أتجنب عملاً يرضي الإله. غنائي لغيري و افتقاري لنفسي، أكبح جماحها و أردها إلى التقوى قوية، نقية فتأوي إليها مثلما يأوي الحسام إلى قرابه\".
بهذه النفس الكبيرة كان يعيش ابن المعتز حياته، و يتصرف تصرف العاقل الأبي الكريم المترفع عن الأمور الحقيرة، يسلك دربه قويماً، لا يأتي باطلاً و لا تقوده رجله إلا إلى مكارم الأخلاق و المعالي.
مأساته و وفاته:
كان المكتفي على فراش الموت يحتضر، و كانت عيون عقلاء القوم و نبلائهم تنظر إلى كبير بني العباس، و أرشدهم، و أذكاهم، و أنبلهم، و أعلمهم، عبد الله بن المعتز. و كانت شغب زوجة المعتضد و أم المقتدر تحتضن ابنها جعفراً احتضان القطاة فرخها، تخشى أن يفلت العز و السلطان من يدها و هي زوجة رجل الدولة العباسية بعد المعتصم و المتوكل. و كان الأتراك و على رأسهم الداهية مؤنس يخشون بأس ابن المعتز و يرون فيه وريث أبيه الذي لا يزال دمه يقطر من بين أصابعهم، و لا يزال ابن المعتز يرى فيهم الخطر الذي سيزيل دولة بني العباس من الوجود.
و مات المكتفي بعلته الخبيثة في حلقومه و كان لسان حاله يقول: فليكن بعدي الطوفان، و تحقق القوم أنه لم يوص لأحد من بعده. فجمع الوزير الكتاب و الخواص و ذوي الرأي يستشيرهم فيمن يرشح للخلافة، فاتجهت الأنظار إلى عبد الله بن المعتز. و هنا نبتت في النفوس المطامع، حيث أمسك أبو الحسن بن الفرات عن الإدلاء برأيه. و طلب أن يخلو بالوزير، و حاوره بمحاورة ننقل بعض ما ورد فيها، و من أراد المزيد فليرجع إلى \"تحفة الأمراء في تأريخ الوزراء\" للصابي، و \"تجارب الأمم\" لابن مسكويه.
قال ابن الفرات: هل قررت رأيك على ابن المعتز؟
إنه أكبر من يوجد.
و أي شيء تعمل برجل فاضل متأدب، قد تحنك و تدرب و عرف الأعمال و معاملات السواد، و مواقع الرعية في الأموال، و خبر المكاييل و الأوزان،و أسعار المأكولات و المستعملات، و مجاري الأمور و المتصرفات، و حاسب وكلاءه ما تولوه، و ضايقهم و ناقشهم، و عرف من خياناتهم و اقتطاعاتهم أسباب الخيانة و الاقتطاع التي يدخل فيها غيرهم، فكيف يتم لنا معه أمر إن حمل كبيراً على صغير، و قاس جليلاً على دقيق. هذا لو كان بيننا و بينه عامراً، و كان صدره علينا من الغيظ خالياً، فكيف و أنت تعرف رأيه؟
فقال له الوزير: و أي شيء في نفسه علينا؟
فأخذ ابن الفرات يقص عليه ما أصاب ابن المعتز على أيديهم فقال: \"أنسيت أنه منذ ثلاثين سنة كان يكاتبك في حوائجه فلا تقضيها، و يسألك في معاملاته فلا تمضيها، و عمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر، و يتوسل في الوصول إليك فلا تأذن... و كم قطعة جاءتك منه نثراً و نظماً فلم تعبأ بها و لا أجبته إلى مراده... هذا و هو يعتقد أن الأمر كان له و لأبيه و لجده و أنه مظلوم، منذ قتل والده. فكيف يجوز أن نسلم نفوسنا فنحترس فضلاً عن أموالنا؟
فقال الوزير: صدقت، فمن نقلد؟
قال ابن الفرات: نقلد جعفر ابن المعتضد، فإنه صبي لا يدري أين هو؟ و عامة سروره أنه يصرف من المكتب؛ فكيف أن يجعل خليفة، و يملك الأعمال و تدبير النواحي و الرجال؟ و يكون الخليفة بالاسم، و أنت هو على الحقيقة. و إلى أن يكبر تكون محبتك قد انغرست في صدره، و حصلت محصل المعتضد من نفسه.
قال الوزير: كيف يجوز أن يبايع الناس صبياً أو يقيموه إماماً؟
قال ابن الفرات: أما الجواز، فمتى اعتقدت أنت أو نحن إمامة البالغين من هؤلاء القوم، و إما إجابة الناس فمتى فعل الخليفة شيئاً فعورض فيه أو أراد أمراً فوقف؟!!
و اقتنع الوزير بفكرة ابن الفرات، و أمر مؤنساً بما تم بينه و بين ابن الفرات؛ و اجتمع الناس و بايعوا جعفراً و لقب بالمقتدر.
و ساءت أمور القصر و الرعية، إذ أصبح الوزير صاحب الأمر و النهي، و أصبح ابن الفرات موطن المشورة، و تدخلت النساء في أمور الحكم، و أخذت الوشايات تأخذ أبعادها ضد ابن المعتز لدى الوزير و أنصاره. فتململ عقلاء القوم، و أخذوا يفتشون عن مخرج لتغيير الأوضاع الفاسدة. فاجتمعوا و قرروا مبايعة ابن المعتز. و أرسلوا ابن حمدان و ابن الجراح إلى ابن المعتز ليفاوضوه بالأمر. فلما عرضا عليه ما وصلت إليه البلاد من السوء قال ابن المعتز:
\"إنني بايعت ابن المعتضد ولي نعمتي\".
فقال ابن الجراح: \"لقد بايعنا المقتدر و لم نبايع للحرم أيها الأمير، و المقتدر ضعيف و باسمه يقلد الطماعون مال الضياع و الجهبذة فيربو عندهم المال و تضيع أمور المسلمين\".
و قال ابن حمدون: \"إن الأمة لم تعهد صبياً يحكم و له في قرابته العاقل الحكيم الرشيد\". و استفسر الأمير عن النصير في هذا العمل، فأجابه ابن الجراح: \"وجوه الناس و قوادهم\".
فقال ابن المعتز: \"و الوزير؟\" فقال له ابن حمدان: \"حتى هو؟!\" مع أن ابن المعتز يرى في الوزير رجلاً مذبذباً لا يرى أسهل من الغدر سبيلاً، فطمأنه ابن حمدان و قال له: إن القوة قبل كل شيء! و إن في سيفي شفاءه، بيد أن ابن المعتز لم يرض باستعمال القوة سبيلاً لجلوسه على عرش الخلافة و طلب أن تحفظ حياة المقتدر و أمه و خواصه.
لكن الأمور لم تجر كما توقع ابن الجراح، و ابن حمدان، فانحاز الوزير إلى فاتك و مؤنس الخادم، و استطاع ابن حمدان أن يتخلص من الوزير و فاتك بقتلهما، و حاول قتل المقتدر، فحال دون ذلك إغلاق أبواب القصر أمامه، و اضطراب حبل الأمن، و خشي مؤنس الخادم أن يفلت الأمر من الأتراك دفعة واحدة فاجتمع بسوسن الحاجب، واضعاً مصلحة الأتراك و مصلحته فوق كل شيء. و جاء ابن حمدان ليتم البيعة لابن المعتز. و قبل البيعة تسلل سوسن إلى مؤنس و أوقفه على الوضع العام و ما دبرته شغب و أم موسى قهرمانة القصر، و ما عبأه القصر من الحرس و الجنود فطلب إليه مؤنس أن يضاعف الحرس.
بدأت البيعة باسم الخليفة الراضي أبي العباس عبد الله بن المعتز، فتقدم ابن الجراح مبايعاً فولاه الخليفة الوزارة، و تقدم محمد بن عبدون فولاه دواوين الأزمة، و تقدم علي بن عيسى فولاه عامة الدواوين، و تقدم ابن حمدان و قلده إمارة الجيش، و تقدم أبو المثنى فتولى ديوان القضاء، و تولى يمن الحجابة.
و غاب عن البيعة ابن الفرات و مؤنس و سوسن، و لم يحضر البيعة من أصدقاء ابن المعتز، أبو بكر الصولي و لم يكن بين العلماء ابن جرير الطبري.
أسرع مؤنس إلى القصر ليتم دوره فقال للخليفة الصبي: \"لقد أحكمت الخطة يا أمير المؤمنين، و قال لشغب –إن صحت الرواية- فإن أتاكم في الغد ابن حمدان فلا تستسلموا له و ادفعوه عن القصر فإنه لن يدخله\".
و تقول الروايات في خاتمة هذه المأساة –و ما أكثرها و أكذبها- إن ابن الفرات جلس لمحاكمة ابن المعتز و أصحابه، فلما أحضر ابن المعتز أمامه، قال ابن الفرات: هو هذا إذن عدو الله ابن المعتز. فلم يكن من عبد الله إلا أن يجيبه، مع ما عرف عنه من عفة اللسان و سمو الهمة، بكلمة نابية: هو أنا يا ابن الأمة!!
و هكذا ذهب الأمير الخليفة ضحية غدر و مؤامرة دنيئة، و هكذا لف الضباب مأساة ابن المعتز، فقتل الوزير الذي رشحه للخلافة، و قتل فاتك، و تخلى القائد الذي كان يقف بجانبه، و قبع راويته الصولي، و ارتجفت أصابع المؤرخ العجوز الطبري و لم تستطع أن تكتب حقيقة ما جرى، و داس التاريخ بقدميه عملاقاً في النبل و الشهامة و العفة و الأدب. و كانت وفاته سنة 296هـ-909م. فساد الأتراك و انطلقت ألسنة السوء تشوه سمعة الخليفة، و سكت ذلك اللسان الفصيح، و انطفأ ذلك الخيال الرحب.

اقتباس من كتاب: ديوان ابن المعتز.
قدم له و شرحه: مجيد طراد.

الأغاني، الجزء العاشر ص325.
الزهر أو الأبيض منه، واحدتها نورة.
السبط: السهل المرسل.
الجعد: المعقد.
الظليم: ذكر النعام.
غمط حقه: جحده، و غمطه: احتقره و ازدرى به.
الأغاني: جزء10 ص323-324.
الأغاني، جزء10 ص323.
الأغاني، جزء10 ص324.

ملحوظه:المقالة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تمثل وجهة نظر كاتبها.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4339


خدمات المحتوى


أ.مجيد طراد
تقييم
1.22/10 (9 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

copyright تصميم ديزاين فور يو